ضربني وبكى.. وسبقني واشتكى!
عندما وصل «الإخوان» إلى السلطة في مصر.. لم يكن محمد مرسي يسمى رئيس مصر لكنه كان يحمل لقب مسؤول ملف الرئاسة في مكتب الإرشاد.. وهذا بالضبط ما يحدث في قطر الآن، فالأمير هو مسؤول عن ملف الإمارة في التنظيم أو النسق الإخواني.. لذلك لم يكن مهماً في مصر أن يكون خيرت الشاطر أو محمد مرسي أو عبدالمنعم أبو الفتوح رئيساً.. وليس مهماً في قطر أن يكون حمد بن خليفة أو تميم أميراً.. المهم دوماً أن يحكم التنظيم الدولي لـ«الإخوان» أي دولة.. ولا قيمة ولا أهمية لاسم أو شخص الحاكم، وهو نفس النسق في إيران.. فلا يهم أن يكون نجاد أو روحاني أو غيرهما رئيساً.. والأهم أن يحكم مكتب الإرشاد أو الحرس الثوري، فالرئيس أو الحاكم في النسق الإخواني سواء أكان سنياً أم شيعياً مجرد مسؤول عن ملف ضمن آلاف الملفات في التنظيم الدولي، ويمكن أن نتوسع في الطرح أكثر لنقول إنه النسق الماسوني.. فلا يهم في أميركا شخص أو اسم الرئيس ولا الحزب الحاكم.. المهم هو النسق التحتي أو الخفي الذي يدير الأمور.. ونفس النسق نجده في بريطانيا وهي أم الماسونية أو أم «الإخوان» منذ إنشاء التنظيم عام 1928 على يد الاستخبارات البريطانية.. هو نفس النسق في دول أوروبا الغربية.. ليس مهماً اسم أو شخص الحاكم.. ولكن الأهم مَن يدير الأمور في الخفاء.. وتنظيم «الإخوان» السني في الدول العربية وتنظيم «الإخوان» الشيعي في إيران.. ليسا سوى نسخ إسلامية أو طبعات إسلامية أو مؤسلمة أو معرَّبة من كتاب أو مجلد الماسونية.. لأن أستاذية العالم أو حكم العالم في الفكر الماسوني لن تتحقق إلا بأنساق أو طبعات مختلفة من المجلد الأكبر لتناسب كل مجتمع، وفي النهاية قواعد اللعبة واحدة والنسق واحد والهدف واحد. وكتاب «الأمير» لميكافيللي هو الدستور الذي يطبقه الماسون وشعاره الأكبر «الغاية تبرر الوسيلة»، فالغاية واحدة وهي أستاذية العالم، لكن الوسائل مختلفة لتناسب كل بيئة وكل مجتمع.. وقد بدا ذلك واضحاً في «الخريف العربي»، عندما التقت إرادات «الإخوان» و«حماس» و«حزب الله» والحوثي وأميركا وبريطانيا وتركيا وإيران وإسرائيل وقطر ودول غرب أوروبا على هدف واحد هو حتمية وصول «الإخوان» إلى السلطة في دول الخريف، بل التقت إرادات هؤلاء مع إرادات «داعش» و«القاعدة» و«النصرة».. ونفس السيناريو يحدث الآن في أزمة قطر حيث التقت إرادات أميركا وبريطانيا وفرنسا وتركيا وإيران وإسرائيل و«حماس» و«طالبان» والحوثي و«القاعدة» و«النصرة» و«داعش» و«الإخوان» و«حزب الله».. عند محاولة إنقاذ قطر من ورطتها على حساب المبادئ ومواجهة الإرهاب، لأن قطر كانت تنفذ أجندة أكبر من مساحتها وحجمها الجغرافي والسياسي.. كانت تنفذ إرادة حكومة العالم الخفية أو هي مجرد ترس في آلة كبرى تريد طحن العالم والسيطرة عليه. قطر لم تخض أو تندفع في مغامرة، لكنها جزء أو ذرة أو قطرة ماء في بحر المؤامرة. قطر هي الجزء الظاهر من جبل الجليد، فالماسون لا يحكمون من فوق كراسي أو عروش السلطة، لكنهم يحكمون من تحت الكراسي والعروش.. لا يحكمون الدول، لكنهم يحكمون القادة.. وقد قال أحد المحللين منذ أيام إن قطر نفسها لا تعرف ماذا تريد.. وأرد عليه بأن قطر تعرف وتنفذ ما يراد منها، فالدولة أو الحاكم في النسق الماسوني ليس مطلوباً منه أن يريد، ولكن المطلوب منه أن ينفذ ما يُراد.. لذلك لا قيمة ولا معنى للوطن في أدبيات «الإخوان» وملالي فارس وكل النسخ المتعددة من النسق الماسوني، لكن أدبيات هذا المحفل تنحصر في أستاذية العالم.. نفس الغاية بوسائل مختلفة.. نفس الكتاب بطبعات مختلفة ومترجمة إلى كل اللغات.. فالإخوانية والصهيونية والفارسية والبريطانية والأميركية والغربية والداعشية والقاعدية والحوثية وحتى الفيفا.. كلها أسماء متعددة أو طبعات مختلفة اللغات من كتاب واحد.. والإسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير كلها وغيرها مجرد أدوات للتدخل في شؤون الدول وفرض الهيمنة الماسونية.
حتى الإرهاب وجماعاته وتنظيماته أدوات أو وسائل لتنفيذ الأجندة الأكبر.. وهي أجندة تفكيك العالم.. وخصوصاً العالم العربي وإعادة تركيبه من جديد على النسق الماسوني الإخواني، بدليل ازدواجية المعايير والتراخي في التعامل مع قضية الإرهاب، فهم يدعمونه ويمولونه ويستخدمونه في مكان ويضربونه في مكان آخر. ويسمونه هنا إرهاباً ويسمونه هناك معارضة مسلحة، وكل أو جل المنظمات الحقوقية في العالم إحدى أذرع الأخطبوط الماسوني العملاق، بل جل المؤسسات الإعلامية الغربية إحدى أذرع هذا الأخطبوط، بدليل أن هذه الأذرع تتحرك بقوة وجبروت ضد الدول التي نجت من حكم «الإخوان».. ولا تتحرك أبداً ضد الدول التي يحكمها «الإخوان» أو جنود الماسون.. وبعض هذه الأذرع يتحرك الآن للدفاع عن قطر بوصفها أصبعاً في قدم الأخطبوط.. ولو تأملت في الطريقة الإخوانية التي تطبقها قطر الآن فستجدها متطابقة تماماً مع الطريقة الصهيونية.. وهي طريقة المظلومية والهولوكوست والإيحاء بالتعرض للحصار والاضطهاد والتجويع، وأن كل من حول قطر أو حول إسرائيل يريدون التهامه أو إخضاعه.. نفس الطريقة.. طريقة المثل العامي المصري (ضربني وبكى وسبقني واشتكى).. نفس ما قاله المسؤول القطري، وهو أن قطر وإسرائيل دولتان صغيرتان وحولهما أعداء كبار متجبرون.. هي الطريقة الماسونية المعتادة.. طريقة قتل القتيل والمشي في جنازته.. طريقة أن أحرق بيتي أو أدبر انقلاباً مزعوماً ضد نفسي ونظام حكمي، ثم أسيطر على الحريق وأحبط محاولة الانقلاب لأنقض على أعداء وهميين أتهمهم بحرق بيتي وتدبير انقلاب ضدي.. وسيكون الكل معي. نفس طريقة «الإخوان» في مصر عندما كانوا يقتلون المتظاهرين حتى من أنصارهم ليؤلبوا الشعب على الشرطة.. نفس لعبة ضرب الأسطول الأميركي في بيرل هاربور أثناء الحرب العالمية الثانية لجر أميركا إلى هذه الحرب.. وهناك آراء محترمة تبرئ اليابان من هذه الضربة وتتهم إحدى دول الحلفاء بها.. والخلاصة أن اللعبة أكبر من قطر، وأن قطر لا تملك إرادتها، لكنها تنفذ ما يراد منها.. وأن الحكام في النسق الإخواني والماسوني والملالي مجرد حذاء يرتديه التنظيم الدولي ليمشي به في الوحل فيتسخ الحذاء أو يتمزق ولا تصاب قدم التنظيم بأذى، ثم يظل هذا الكيان الورقي يولول ويلعب على المظلومية بطريقة «ضربني وبكى وسبقني واشتكى».